قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. هم هؤلاء؛ يرون أعمالهم صحيحة، ويظنون أن طريقهم هو الصواب، ولا يشعرون بأنهم على ضلال. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾. ينسون الآخرة، وينسون الدين والعذاب، فيفتح الله عليهم أبواب كل شيء؛ رزق، ومال، وغنى، ونجاح، وكل ما يشتهون، حتى يظنوا أنهم على حق، وأن نجاحهم بسبب صحة طريقهم وتفكيرهم. لكن السبب الحقيقي ليس أنهم يستحقون ذلك، ولا لأن أفكارهم أصوب، ولا لأن طريقهم هو الحق. بل قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. أي أن الإمهال ليس تكريماً لهم، وإنما ليزدادوا إثماً، ثم يكون لهم عذاب مهين. ومعنى ذلك أن إمهال الله للعاصي وتأخير العقوبة عنه ليس دليلاً على محبته له، بل قد يكون استدراجاً حتى يزداد في ذنوبه وآثامه. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾. وليس المقصود بذلك أن كل غني أو كل ناجح داخل في هذا الوصف، وإنما من يجمع بين الإصرار على المعاصي والطغيان مع الاستمرار فيها دون توبة، فقد يكون ما هو فيه استدراجاً من الله. قد يزداد ماله، أو جاهه، أو نجاحه، وهو يظن أن ذلك دليل رضا الله عنه، بينما الحقيقة قد تكون غير ذلك. ثم قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فهم يظنون أن تخطيطهم ومشاريعهم وأسباب نجاحهم هي التي أوصلتهم إلى ما هم فيه، بينما تدبير الله نافذ فوق كل تدبير. ثم تكون النهاية على أحد وجهين: إما أن يستمر الإنسان في معاصيه حتى يموت عليها، فيلقى العذاب المهين. وإما أن يأخذ الله منه كل ما كان يفتخر به فجأة؛ ماله، أو صحته، أو قوته، فيعيش عذاباً نفسياً قبل عذاب الآخرة، ويتمنى الرجوع فلا يستطيع. وليس كل ثري أو ناجح كذلك، فالغنى والنجاح ليسا علامة رضا ولا علامة غضب. وإنما الكلام عن من غرق في الذنوب والفواحش والطغيان، وسُهِّلت له المعاصي، واستمر عليها دون ندم أو رجوع. فالذنب يقع من كل إنسان، لكن الفرق الحقيقي هو التوبة، والاستغفار، والشعور بالندم، وتأنيب الضمير. وهذا هو الفارق بين من يزل ثم يرجع إلى الله، ومن يصر على الذنب حتى يهلك.