اما الان يا عزيزتي فأنا أتوق إلى أن ابدو مختلفًا.. _ آريد أن ابدو رجلًا اخر بملامح جديدة، واسلوبًا أكثر حداثةً.. فأنا القديمُ لم يجلب لي سوى العذابُ والموت المستديمة..! اريد ان انسى كل الأشياء القديمة حتى نفسي الغابر.. اريد ان اُولدُ لمرةً ثانية، لكن هذه المرة من رحمي، لا من رحم امي فذلك مُحالًا..! اريد ان اُولدُ بطريقةً أخرى يا عزيزتي غدًا سأكون رجلاً اخر غداً سيكون أولى صرخاتي الوجودية وربما لم اصرخ كسائر الأطفال عند ولادتهم، عند أول لحظات سقوطهم على حافة الوجود! اريد ان اُولدُ صامتًا أو مبتسمًا فقط، اريد ان اُولدُ دون حبل صُرةً.. أن اُولدُ وبيدي وردة أو كعكة طاعمة تكفيني لحياةً خالدة..! اريد ان اُجرب طريقةًجديدة لاقتراف الحياة..! مثلاً أن أكون أكثر صلابةً مما أنا عليه الآن، أن افيقُ من نومي في الثالثة صباحًا كل يوم ولطيلة حياتي، وانام في الثامنة مساءًا..! ان اُحصرُ قهوتي بيدي كل صباح ومساء.. لكن دون بحارً ودونكِ أيضاً..! فهذا يكفي.. اريد ان ابدو مختلفًا هذه المرة، وفي هذه الحياة ربما سانجو من كل شيء، وهذا ما أتوق إليه انا حالاً..! اريد ان اكون بشوشًا وهادئًا أن لا أخوض اي من تجارب الحب الكئيبة، لينتهي بي المطاف إلى الهاوية.. اريد ان يُطِلُ روحي على الربيع لعامًا كاملًا، فقط ليزهر أكثر.. اريد ان ابدو أكثر هيبةً من الآن.. أن أكون مهذبًا أكثر، لكن ان لا ارغب بما سيصعب عليّ نيله، ويكلفني فواتيرًا أكثر..! لا أريد أن ادفع ثمن اي شيء هذه المرة، اريد ان اخذ كل الأشياء مجانًا أو بأقل الخسائر..! هذا طبعاً إذا خنتُ عهدي لميلادي الجديد، في أن لا ارغب بأي شيء..! اريد ان امرحُ كثيراً والي الأبد، اريد ان افصحُ مجالاً للسعادة في قلبي، وأن اُخصصُ مقعداً للطمأنينة على مقاعد روحي، وأن لا اهدي لعقلي اي سؤالاً شائك! اريد ان اطمحُ كثيراً واحقق قليلًا، دون أن يعتريني اي ألم حيال خيباتي..! اريد ان اهتم بنفسي، وان اكون أكثر صحةً وعافية.. لم اقترب السجائر هذه المرة، اريد ان احتفظ برئتي لامد الزمن ممكن.. لن اقطف القُبلات الضارة من أفواه النساء اللواتي لم يتقنّ فن البقاء معي... سرمدًيا..! ساُدخرُ شفتاي لاكتساح عصائر البرتقال والمانجو، لن افتح قلبي كاملًا لأي إمرأة غادرة، سادعها سالمًا لفعل النبض لا أكثر..! اريد هذه المرة يا عزيزتي.. أن استعيرُ اسلوبًا جديدة، هذه المرة سأختار هواياتي بعناية فائقة الحذر... سأكون سائحًا، أو لاعبًا محترفًا في الكريكيت، أو حتى مُدرسًا لأطفال الرياض، أو فلاحًا في الحقول.. لكن أبدا، أبدًا لم اختار لعبة الكتابة... لم اكون كاتبًا أو شاعرًا... أبدًا لم ادع لهذه التيه أن يُلتهمني مجددًا..! سأكون بسيطًا بملابس صيفية فضفاضة... وحذاءًا من جلد الطاؤوس.. سأستمتع بعمري قبل أن اذوب في العدم متحسرًا، اريد ان اكون سعيدًا وممتنًا للحياة حينما يتسللني الموت..! هذه المرة اريد ان العبُ مع الأطفال حتى اكبرُ، وفي شبابي اريد فقط أن أكون ابًا لستة أطفال وزوجًا جدير لامراة جديرة باسعادي... لن اسافر أبدا، لن اهدي عمري للمنافي..! ساكبرُ في مدينتي، ساكبر مع مدينتي.. ساحضر كل تفاصيل حياتي في مكانًا واحد... صغري وشبابي وحتى شيبتي..! هذه المرة لا أريد أن اوزع نفسي إلى العالم... وفي كبري ساجلس مع أصدقائي في الحي، ونحن نراقب أطفالنا يكبرون ويذهبون إلى المدارس.. سأكون بقالًا في الحي، أو سائق حافلة أو حارسًا في إحدى مدارس المدينة..! لكن أبدًا، أبدًا لن أكون كاتبًا أو شاعراً.. فأن يصبح الإنسان هاويًا للكتابة، يعني إنه قد حصل على كل متاعبه دفعة واحدة، وكاي قاصرًا في الحياة يحاول أن ينجو لكنه دون جدوى يعجز عن ذلك..! فيتخبط ويتخبط حتى يتلاشى كورقة شجرة ساقطة.. عندما ساتجاوز الستين من عمري، ساصنع بستانًا أمام منزلي، وازرع فيها ورودًا.. سأصبح بائعًا للورود.. لكن ساخبرُ كل عاشقًا قبل شراءه لوردة، ساخبرهُ أن الورود وحدها لا تكفي لغرض الحب، وأن مع كل وردة نقدمها لامراة، نقدم معها حياةً كاملة